خلفيّة الإصلاح الإنجيلي – جوزيف أنطون

خلفيّة الإصلاح الإنجيلي

“الحاجة أم الاختراع” غالبًا ما نستخدم تلك العبارة في العديد من المواقف، فاختراع أكلة “طبخة” جديدة، عادة ما يكون نتيجة جوع، واختراع ماكينة معينة أو آلة، هو ناتج من احتياج معين ظهر فأخرج للنور هذا الاختراع. ولكن ما علاقة الحاجة والاختراع بالإصلاح البروتستانتي الشهير؟

لفهم الإصلاح يجب أن ندّرسه في سياقه. وسياق الإصلاح يتحدث عن “حاجة – احتياج” ظهرت في الكنيسة الكاثوليكية، أدت إلى اختراع ما، وهذا الاختراع هو ما دفع لوثر إلى تعليق اعتراضاته الخمس وتسعين على باب كاتدرائية فيتنبرج في 31 أكتوبر 1517.

كانت كنيسة روما الكاثوليكية في ذلك الوقت يترأسها البابا ليو العاشر Leo X، ذلك البابا الذي كان يتسم بالهوس والحب الشديد للفن المتمثل في الرسم والنحت وخلافه، لذلك أنفق ليو الكثير من أموال الكنيسة في لهثه وراء إشباع إدمانه للفن، وهنا ظهرت “الحاجة”! احتياج البابا ليو للأموال لكي يستطيع أن يستكمل هوايته المحببة.

وعند هذه النقطة يجب أن نرجع خطوة واحدة إلى الوراء، إلى ما قبل البابا ليو، إلى البابا الذي يسبقه، البابا يوليوس الثاني. ويوليوس كان معروفًا في التاريخ “بالبابا المحارب” لأنه سفك الكثير من الدماء حرفيًا في أثناء سعيه لبناء كاتدرائية القديس بطرس لتكون مقرًا فخمًا له. ليحكم فيها الكنيسة – التي من المفترض أن يكون المسيح حاكمها – بجانب عظام بطرس وبولس التي تدّعي كنيسة روما استحواذها عليهم. وبعد وضع أساسات تلك الكاتدرائية، مات يوليوس، وترك مهمة استكمالها على عاتق من يخلفه، الذي شائت الأقدار أن يكون، ليو العاشر، مهووس الفن.

حتى هذه اللحظة نستطيع أن نرى أحلام مختلفة للبابوين، حلم الفن، وحلم الكاتدرائية الضخمة. إلا أننا بكل وضوح نقدر أن نضع عنوانًا يجمع هذين الحلمين، ألا وهو “الأنا” أو “مركزية الإنسان“. فبدلًا من أن يخدم البابوان المسيح، صارا خادمان لملذات نفوسهم وشهواتهم.

وعلى هامش تلك الأحداث ظهر داهية اعتقد أن بأمواله يستطيع أن يشتري الكثير، وللأسف لم يكن واهمًا! الأمير “ألبرت” الألماني من برادنبرغ. الذي لما كانت قوانين الكنيسة وقتها تنص على ألا يكون الأسقف مسؤولًا على أكثر من مكان، وأن يكون في عمر متقدم لكي يكون أسقفًا، رأى أن الحل الوحيد لكي يكون أسقفًا رغم صغر سنه، ولكي يصبح أسقفًا على أكثر من مكان، هو أن يحاول تسديد ديون الكنيسة المتمثلة في البابا ليو العاشر، وذلك عن طريق إبرام صفقات معه، بأن يشتري اللقب بالأموال!

ودون الدخول في تفاصيل القصة المحزنة، والمفاوضات التي تمت بين ألبرت وليو، من المفترض أن يكون القارئ الكريم قد توصل إلى نتيجة الاتفاق، فبابا فاسد جشع، مع أمير يريد السلطة، سوف تكون النتيجة بكل تأكيد بيع المنصب مقابل الأموال. ولكن من سخرية القدر أن الأموال التي طلبها ليو العاشر كانت أكبر من مقدور الأمير ألبرت، فاضطر الأمير الحالم إلى الاستدانة من البنوك!

إن كانت علامات الدهشة بدأت في الظهور على وجهك عزيزي القارئ، إن كنت تتسائل الآن “ما لي وهذه القصة الكبيرة، فأنا متوقع أن أقرأ عن الإصلاح!” فأنا أؤكد لك أن ما تقرأه الآن هو ما يسمى “مطبخ التجهيز للإصلاح”. وهذا ما ستراه في السطور القليلة القادمة..

بابا فاسد، اتفق مع أمير طموح، طموحه جعله يستدين، فما العمل؟ إن كانت “الحاجة” التي بدأنا بها مقالنا هي “الأموال”، فما الاختراع الذي يستطيع به ليو جمع أمواله؟ وما علاقة هذا الاختراع بالأمير ألبرت؟ أشار البابا ليو على الأمير – الأسقف – ألبرت أن يبدأ في أبروشيته وفي كل نواحي ألمانيا ببيع “الاختراع”، أو ما يسمى “صكوك الغفران” للشعب المسيحي، على أن يأخذ ألبرت نصف مبلغ الصكوك لتسديد دينه للبنوك، وأن يرسل للكنيسة في روما النصف الثاني لاستكمال الكاتدرائية، وإيجاد الأموال لإشباع إدمانه الفني!

يوليوس الثاني، ليو العاشر، الأسقف ألبرت، لم تنتهي الأسماء بعد، فهناك اسم آخر أخذ نصيب الأسد في ساحة ما قبل الإصلاح، وهو اليد المدمرة للعقل المدبر – أي البابا ليو – وهذا الشخص هو الراهب “تيتزل“. الذي كان يجوب أنحاء ألمانيا واعظًا الفقراء أن يدفعوا صدقات من أموالهم لكي يرحموا أقربائهم الذين يتعذبون الآن في المطهر. وأي قارئ لتلك المرحلة في تاريخ الكنيسة يستطيع أن يتذكر جملة “تيتزل” الشهيرة: “كلما رنّ صوت عملاتك المعدنية في صندوق التبرعات، كلما تحررت نفس أحد أقربائك من المطهر”.

بالإضافة إلى “صكوك الغفران” نرى أيضًا “صناديق الاستحقاقات” أو “ذخائر القديسين”، وهي ببساطة شكل جديد حاولت الكنيسة خداع الشعب المسيحي به، فقد نادت الكنيسة بأن بعض القديسين قدموا في حياتهم أعمالًا صالحة تزيد عن احتياجاتهم، فهي لم تنجيهم فقط من “المطهر” – الذي هو أحد العقائد غير الكتابية أيضًا لكنيسة روما – بل زادت جدًا عن حاجتهم لدخول السماء، وبالتالي ففي سلطة الكنيسة أن تبيع هذه الذخائر للشعب ليستفيد منها، فمن يمتلك المال يستطيع أن يأخذ بعض الأعمال الصالحة للأكويني، أو بطرس الرسول، أو حتى السيدة العذراء مريم.

في مقابل كل تلك الكنوز التي حاولت الكنيسة أن تقتنيها لينعم بها البابا وأصدقاءه، صرّح مارتن لوثر في البند 62 من بنوده ال 95 التي علقها على باب كاتدرائية فيتنبرج في ظهيرة يوم 31 أكتوبر 1517 قائلًا “إن كنز الكنيسة الحقيقي هو إنجيل مجد الله”. طرفي نقيض، جانب البابا والكنيسة في ذلك الوقت يؤكدون على أن الحاجة الحقيقية والكنز الحقيقي هو الإنسان، بينما لوثر على الجانب الآخر يؤكد مع رسالة الإنجيل أن الله نفسه هو المركز.

في كل فترة من الزمن يكون الاهتمام الأول في كنيسة الله بالإنسان لا المسيح، يجب أن يظهر لوثر جديد. كل عقيدة ومنهج يدّعي كونه مسيحيًا – وللأسف أحيانًا يدّعي كونه إنجيليًا – مع ذلك يضع الإنسان في المركز لا الله، هو منهج كاذب ومضلل. إن كانت “الحاجة” التي هي أم “اختراع” صكوك الغفران، هي الأموال، وهي نفس احتياج الكنيسة اليوم بعد مرور ما يزيد عن 500 عام على إصلاح الله للكنيسة بواسطة لوثر، فيجب أن يقيم الله لوثر وكالفن وهس وويكلف مرة ثانية، اليوم وكل يوم!