أعجوبة التبنِّي – بقلم جون موري

أعجوبة التبنِّي – بقلم جون موري

خلاصة من فصل بعنوان “التبنِّي” في كتاب بقلمه. عنوان الكتاب “الفداء –إنجازه وتطبيقه”، أُعيدت طباعته في طبعة جديدة بواسطة “the Trust” عام 2009.

عندما يتبنَّى الله رجالًا ونساءً إلى عائلته، فهو يضمن لهم ليس فقط أن ينالوا حقوق وامتيازات أبنائه وبناته، بل أيضًا الطبيعة أو الطبع الملائم لمثل هذا المقام. وهذا يفعله بالتجديد. فإنه يجدِّدهم ليكونوا على صورته في المعرفة والبر والقداسة. فالله ليس لديه في عائلته من هم غرباء عن جوهرها وروحها ومنزلتها. فالتجديد هو الضرورة للتبنِّي. والروح القدس الذي يُجدِّد، هو ذاته أيضًا الذي يُرسَل إلى قلوب المُتبنِّين صارخًا: “يَا أَبَا ٱلْآبُ”. على أن التبنِّي ذاته ليس هو التجديد، ولا هو روح التبنِّي، فأحدهما هو الضرورة، والآخر هو النتيجة.

والتبنِّي بحسب معنى اللفظ، يتضمَّن عمل نقل من أسرة غريبة إلى أسرة الله ذاته. هذا هو بالتأكيد قمَّة الإنعام والامتياز. فليست لنا الجرأة لنفهم مثل هذه العطيَّة، وبالأحرى لندَّعيها، بمعزل عن إعلان الله وتأكيده. إنَّ حتى تخيُّله يجعلنا في ذهول، بسبب ما يدل عليه من لطف ومحبة. والروح فقط هو القادر على أن يكون ختمه في قلوبنا.

مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ ٱللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ. فَأَعْلَنَهُ ٱللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لِأَنَّ ٱلرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ ٱللهِ. (1 كورنثوس 2: 9، 10)

كما أن ما يجعلنا قادرين على بلوغ برج الإيمان هذا هو فقط اقتران شهادة الإعلان وشهادة الروح الداخليَّة في قلوبنا، عندئذ نقدر أن نقول بثقة البنوَّة والمحبة: “يَا أَبَا ٱلْآبُ”.

إن الحقيقة العُظمى عن أبوَّة الله، والبنوَّة التي منحها للبشر، هي إحدى الملازمات المنسوبة للفداء. وصحيح، في إدراك كل البشر، أنه لا يزيد عن الدعوة الفعَّالة، والتجديد، والتبرير. لكن الله يصير أبًا لشعبه بفعل التبنِّي. إن هذه النعمة العجيبة هي التي أجبرت يوحنا الرسول لأن يهتف: “اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا ٱلْآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلَادَ ٱللهِ!” (1 يوحنا 3: 1). ولكي يُؤكِّد لقُرَّائه أن هذا الامتياز يتم امتلاكه في الحاضر وليس مُجرَّد رجاء في المستقبل، يزيد على قوله فورًا: “ٱلْآنَ نَحْنُ أَوْلَادُ ٱللهِ”. ولكي يدل على الفرق الذي يُحدثه هذا المقام بين الناس، يقول أيضًا: “مِنْ أَجْلِ هَذَا لَا يَعْرِفُنَا ٱلْعَالَمُ، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ”. ولئلَّا يوجد أي شك بشأن حقيقة البنوَّة هذه المُعطاة لنا، يُشدِّد بقوله: “أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، ٱلْآنَ نَحْنُ أَوْلَادُ ٱللهِ” (الآية 2).

تمعَّن يوحنا وتعلَّم جيِّدًا كلمات الرب نفسه إذا قال: “ٱلَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي … إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلَامِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا” (يوحنا 14: 21، 23). والآن، إذ يكتب رسالته الأولى، يفيض قلبه بالاندهاش من عطيَّة الآب هذه: “اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا ٱلْآبُ”. فهذا هو بالتحديد عمل نعمة الآب. ولم يستطع يوحنا أن يستوعبها ولن يستطيع فعل ذلك. والأبديَّة لن تستنفذ أعجوبتها.

عندما نُعلِّم عن الله بمفردات التبنِّي بقولنا “أبانا السماوي” أو “أبانا”، فالذي في فكرنا هو الأقنوم الأول في الثالوث، فهو بالتحديد الآب. إن شعب الله هم أبناء الله الآب، وهو ضامن لهم هذه العلاقة السامية ذات الحميميَّة المُتفرِّدة. وفى الحقيقة، هذا يُعظِّم أعجوبة العلاقة التي يؤسِّسها التبنِّي.

فإن الأقنوم الأول في الثالوث الأقدس، ليس هو فقط إله وأبو ربنا يسوع المسيح، ولكنه أيضًا إله وأبو الذين يؤمنون باسم يسوع. وبالطبع يجب ألَّا نساوي علاقة الآب بالابن بعلاقة الله كأب للبشر. ويجب ألَّا يختلط الميلاد الأزلي مع التبنِّي. فربنا نفسه راعى هذا الفرق. فهو لم يضمن التلاميذ مع نفسه عند دعوته الآب “أبانا”، بل قال لتلاميذه: “فَصَلُّوا أَنْتُمْ هَكَذَا: أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ” (متى 6: 9) وهو لم يُصلِّ معهم هذه الصلاة التي علَّمهم إيَّاها لكي يُصلُّوها، ولا يمكنه أن يفعل ذلك. وقال لمريم المجدليَّة: “إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ” (يوحنا 20: 17). فمع أن علاقة الأبوَّة تختلف، فذات الأقنوم هو الأب بالنسبة للرب يسوع المسيح في سر يفوق الوصف –سر الثالوث– وهو أبو المؤمنين في سر نعمة التبنِّي.

إن الله الآب ليس فقط مُجري عمل التبنِّي، بل أيضًا يُصيِّر المؤمنين باسم يسوع أولاده. أيمكن لأي شيء أن يكشف عن أعجوبة التبنِّي، أو يشهد بسر حق ملكيته وامتيازاته، بكيفيَّة أكثر فاعليَّة من كون الآب نفسه، الذي من أجله الكل وبه الكل، الذي كمَّل رئيس خلاصهم بالآلام، يصير بفعل النعمة أبًا لأولاد كثيرين هو آتٍ بهم إلى المجد؟ وهذا هو السبب الذي لأجله رئيس الخلاص نفسه لا يستحى أن يدعوهم إخوة ويستطيع أن يتهلَّل بفرح لا يُنطق به قائلًا: “هَا أَنَا وَٱلْأَوْلَادُ ٱلَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ ٱللهُ” (عبرانيين 2: 13).