أَهلُ بَيتِ اللِه

 أَهلُ بَيتِ اللِه

(أفَسُس ٢: ١٩-٢٢)

أغلَبِيَّةُ المؤمنينَ، في مَدينَةِ أفَسُس القَديمَةِ، لَم تَكُن لَهُم أُصولاً يَهوديَّة. إهتَدَوا للإيمان المَسيحي، مِن خَلفياتٍ دينيَّةٍ وَثَنيَّةٍ، هيلينيَّة أو يونانيَّة. لَكِنَّ بَعضَهُم كانوا عَلى وَعيٍّ بِمَضمونِ كُتُبِ العَهدِ القَديم، وتَطَلَّعوا بِشَغَفٍ، لِقُدومِ المَسيَّا المَوعود، والذي يأتي عَبرَ نَسلِ داوُّدِ المَلَكيّ، الذي إنتَمَى لِسِبطِ يَهوذا، ابنِ يعقوبٍ الذي دُعيَ إسرائيل، حَفيدِ إبراهيم. أولَئِكَ وَعَوّا مِنَ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ، أنَّ المَسيَّا يَجلِبُ البَرَكَةَ، لَيسَ فَقَط لِليَهود، ولَكِن أيضاً لِكُلِ أُمَمِ وأعراقِ البَشَريَّة.

ومَعَ ذَلِك، فَإنَّ كَثيرينَ مِن المؤمنينَ، المُنحَدرينَ مِن العِرق اليَهوديّ، كانوا عَلى إعتِقادٍ خاطيءٍ بِأنَّ اليَهودَ، واليَهودَ فَقَط، تَنطَبِقُ عَليهِم صِفَةُ شَعبِ الرَبِ. لِذَلِك إستَنتَجوا أنَّ غَيرَ اليَهودِ، يُصبِحونَ جُزءاً مِن شَعبِ الرَبِ، فَقَط إذا إهتَدَوا لِلديانَةِ اليَهوديَّة، عَن طَريقِ خَتّنِ ذكورِهِم. والواقِعُ أنَّ بَعضَ الرُسُل، إحتاجوا لِفَترَةٍ غَيرَ قَصيرَةٍ مِن الوَقت، لِكَيّ يَقتَنِعوا بِخَطأِ ذَلِكَ المَوقِف. وطَبيعيٌّ أنَّ ذَلِكَ تَسَبَّبَ في الكَثيرِ مِن الإنقِسامِ والتَنافُرِ، بَينَ أعضاءِ الكَنيسَةِ الأولَى. مَن لَم يَنتَموا لِلعِرقِ اليَهوديّ، إِعتُبِروا غُرَباءِ، وأقَلَّ شأناً، ودَرِجَت تَسميَتهُم عَلى أنَهُم أُمَماً.

كُلُنا نَعلَمُ، أنَّ الرَسولَ بولُس، كانَ قَبلَ هِدايَتِهِ لِلمَسيحِ، يَهوديَّاً مُتَشَدِّداً. الواقِعُ أنَهُ كانَ عَلى قَناعَةٍ، بِأنَّ إضطِهادَ أتباعِ يَسوع، هوَ حَقٌّ وواجِبٌ إلَهيٌّ عَليه. مَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَثيرين اليَهود، نَظَرَ لِلإيمانِ المَسيحيّ، عَلى أنَهُ خَطَرٌ داهِمٌ، ضِدَّ ديانَتِهِ وعِرقِهِ اليَهوديّين. لَكِنَّ حَياتَهُ تَغَيَّرَت تَماماً، بَعدَ أن إهتَدى لإتِّباعِ المَسيح المُخَلِّص. قامَ بولُس بِمُراجَعَةِ أرائِهِ، وأدرَكَ أنَّهُ كالكَثيرينَ مِن المَسيحيِيِّنَ، المُنحَدِرينَ مِن عِرقِهِ اليَهوديّ، أصابَهُ عَمَى التَمييِّز العُنصُري والتَعَصُبِ الديني، بسبب فَهمٍ مَغلوطٍ لِتَعليمِ العَهدِ القَديم.

قَضَى الرَسولُ بولُس ثَلاثَةَ أعوامٍ، مِن الدِراسَةِ المُتَعَمِّقَة، لِكُتُبِ العَهدِ القَديم المُقَدَّسَ ، وَهَكَذا تَحَضَّرَ لِأن يُصبِحَ قياديّاً مُعتَبَراً، في أوساطِ الكَنيسَة الأولَى، هَكَذا أثمَرَت جهودُهُ، لِتَعميقِ وِحدَةِ الكَنيسَةِ المَسيحيَّةِ. نَعَم، تَوَحَّدَت الكَنيسَةُ في فَهمِها بِأنَّ يَسوعَ، المُخَلِّصَ المَوعودَ، أتَى لِيُحَقِّقَ خَلاصَاً إلَهيَّاً، لِكُلِ الأُمَمِ والشُعوب، ولَيسَ فَقَط لِلعِرقِ اليَهودي. هَكَذا تَمَكَّنَ الرَسولُ بولُس، مِن إقناعِ المَجمَعِ الرَسوليّ، وقادَةِ الكَنيسَةِ الآخَرين، بِأنَ مَن هُم أُمَمٌ أو غَيرُ يَهود، لا يَحتاجونَ لِطَقسِ الإختِتان اليَهوديّ.

التَعليمُ الرَسوليُ، في الفَصلِ الثاني، مِن الرِسالَّةِ لِلمؤمِنينَ في مَدينَةِ أفَسُس، يَقول: “فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ، مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا ِللهِ فِي الرُّوحِ.” (أفَسُس ٢: ١٩-٢٢).

هَكَذا، أتَى التَعليمُ الرَسوليّ، بِإستِنارَةٍ سَعيدةٍ، لِكُلِ أتباعِ المَسيح الحَقيقيِيِّن، فَبِغَضِّ النَظَرِ عَن نَوعيَّتِهِم العِرقِيَّة، هُم جَسَدٌ واحِدٌ، وهُم أعضاءٌ مُتساووّنَ، ضِمنَ جَماعَةَ الإيمان. هُم أعضاءٌ في نَفسِ العائِلَةِ الإلَهيَّة. فَيَسوع جاءَ لِيؤَسِسَ بَشَريَّةً جَديدَةً، أُمَةً روحيَّةً مُقَدَّسَةً، يَنتَمي مواطِنوها لِكافَةِ الأعراقِ، والأجناسِ البَشَريَّةِ. جَميعُهُم إفتَداهُم وقَدَّسَهُم دَمُ يَسوع، الطاهِر والمُطَهِّر. هَكَذا فَإنَّ جَميعَهُم يُعتَبَرونَ قِديسيِّن. التَعليمُ الرَسوليّ، يَقولُ لِكُلِّ المؤمنينَ الحَقيقيِيّن : “فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ.” (أفَسُس ٢: ١٩).

يؤَكِدُ التَعليمُ الرَسوليّ، عَلى وجودِ أساسٍ مُوَحِدٍ، لِكُلِ مَن يَتَّبِعونَ يَسوع، بِصِدقٍ وأمانَةٍ. يقولُ التَعليمُ الرَسوليّ أنَهُم :”مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ.”

هَكَذا فَإنَّ الإتِّباعَ الصادِقَ لِلمَسيحِ الرَبِ، لا تَمييِّزَ فيهِ بينَ المؤمنينَ، بِغَضِّ النَظَرِ عَن أصولِهِم العِرقيَّةِ والدينيَّةِ، إذ يؤَكِدُ التَعليمُ الرَسوليُّ، أنَّ مَضمونَ الإنجيلِ، أي العَهدِ الجَديدِ الرسولي تأسَسَ عَلى تَعليمِ العَهدِ القَديم النَبَويّ. فتَعليمُ العَهدِ الجَديد، يؤَكِدُ عَلى تَحقيقِ المسيحِ لِكُلِّ ما تَضَمَّنَتهُ كُتُبِ العَهدِ القَديم.

يَجِبُ أن نَتَذَكَّرَ، أنَّ كُتُبَ العَهدَين، القَديمِ والجَديدِ، هيَّ مِن وَحيِّ نَفسِ الروحِ القُدُس، ولَها مَضمونٌ جَوهَريٌ يُوَحِدُها، ذَلِكَ المَضمونُ يَرتَكِزُ عَلى الحَقيقَةِ الثابِتَة، أنَّ يَسوعَ المُخَلِّصَ، هوَ نَفسُهُ المَسيَّا المَوعود. الروحُ القُدُسُ المُبارَكُ، يَستَخدِمُ الكُتُبَ المُقَدَّسَةَ، التي أَوحَى بِها، لِتَجميعِ وبُنيانِ جَماعَةِ الأيمانِ بالمَسيحِ: “الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ.” (أفَسُس ٢: ٢١)، يُضيفُ التَعليمُ الرَسوليّ، قَائِلاً: “الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا ِللهِ فِي الرُّوحِ.” (أفَسُس ٢: ٢٢).

التَعليمُ الرَسوليّ، واضِحٌ وجَليّ، وقَد إنعَكَسَ مَضمونُه، عَلى صَفحاتِ العَهدَيّن القَديمِ والجَديد. الوَحيُّ الإلَهيُّ، يَقَدِّمُ لِبَشَريَّتِنا الضالَّةِ والبائِسَةِ، مُخَطَّطاً خَلاصيَّاً إلَهيَّاً مُبارَكاً. ذَلِكَ المُخَطَطُ الإلَهيُ، يؤَسِّسُ بَشَريَّةً جَديدَةً موَحَّدَةً، يُصيغُها مِن جَديدٍ الروح القُدُس، بِسيَّادَتِهِ المُطلَقَةِ، في آدَمِ الجَديد، في يَسوع، المَسيَّا الإلَهي المُبارَكِ المَوعود. المُخَطَطُ الإلَهيُّ، لا يبنيْ مؤَسَّسَةً دينيَّةً، بَل بِناءاً روحيَّاً، هَيكَلاً إلَهيَّاً، يَتَجَمَّعُ فيهِ كُلُ المؤمنينَ والمؤمِنات، مِن كافَةِ عَشائِرِ الأرض. هُم شَعبٌ واحِدٌ، ضِمنَ العائِلَةِ الإلَهيَّةِ الواحِدَةِ، يَنتَمونَ ليَسوع، وفي نَفسِ الوَقت، يَنتَمونَ لِبَعضِهِم البَعض. هُم أهلُ بَيتِ الِله الواحِد، لا فَرقَ طَبَقيّ أوعِرقيّ أو دينيّ بَينَهُم، بَل تَجمَعهُم نِعمَةُ يَسوع الواهِبَةِ لِلنَفس.

ليَسوعِ المُخَلِصِ كُلُّ المَجدِ!