خِدمَةٌ أمينَةٌ

خِدمَةٌ أمينَةٌ

(أفَسُس ٣: ٧-١٣)

في الفَصلِ الثالِثِ مِن رِسالتَهِ لجماعة الإيمان في مَدينَةِ  أفَسُس القَديمَةِ تَحَدَّثَ الرَسولُ بُولُس عَن خِدمَتِهِ لِلإنجيلِ، فَقَال: “الَّذِي صِرْتُ أَنَا خَادِمًا لَهُ حَسَبَ مَوْهِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ. لِي أَنَا أَصْغَرَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، أُعْطِيَتْ هذِهِ النِّعْمَةُ، أَنْ أُبَشِّرَ بَيْنَ الأُمَمِ بِغِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى، وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ، بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ.” (أفَسُس ٣: ٧-١٠).

واضِحٌ، أنَّ بولُس يَتَحَدَّثُ بِحَماسَةٍ ومَسَرَةٍ عَن حصولِهِ عَلَى فَهمِ مَضمونِ السِر، الَّذي كانَ مَكتومَاً، عَن القَصدِ الإلَهيّ بأن تصِلَ رِسالَةُ الإنجيلِ لِكُّلِ البَشَرِيَّةِ. وكَانَ بولُس يَتَمَتَّعُ بِإلتِزامٍ قَويٍّ لِمَا أوحَى بِهِ الروحُ القُدُس وحَفَظَهُ، عَلَى يَدِ الأنبيَّاءِ والرُسُلِ. ذَلِكَ الإِلتِزامُ وَجَّهَ مُعتَقَدَاتِهِ عَن اللهِ والبَشَرِيَّةِ وعَن كُلِّ الخَليقَةِ والتارِيخ. شَكَّلَ مَضمونُ الوَحيّ الإلَهيّ أكثَرَ مِن مُجَرَّدِ قائِمَةٍ مِن المُعتَقَداتِ الدينيَّةِ. بِالنِسبَةِ لَهُ، مَضمونُ الوَحيّ هوَ أداةُ الرُوحِ القُدُس لإِعادَةِ صِيَّاغَةِ البَشَريَّةِ المُتَمَرِّدَةِ الساقِطَة. كُلُّ البَشَرِ هُم أمواتٍ بِالذِنوبِ والخَطَايا، بِسَبَبِ طَبيعَةِ المَوتِ التي إنتَقَلَت لَهُم وَوَرَثوها مِن آدَم، أبيهِم الأوَل. الخَليقَةُ البَشَريَّةُ الجَدِيدَة تَتِّمُ بِعَمَلٍ إلَهيٍّ مُبارَك. كَلِمَةُ الله الواهِبَةُ لِلحَيَّاةِ يَستَخدِمُها الروحُ القُدُس لِتَأسيسِ عَلاقَةٍ حَيَّةٍ بِالمَسيحِ، آدَمَ الثاني المُنتَصِر. هَذا العَمَلُ الإلَهيِّ يُثمِرُ بَشَرِيَّةً جَديدَةً، أي جماعةَ الإيمان، الكَنيسَةَ، جَسَدَ المَسيح، الجِنسَ الآدَميَ الجَديد. هَذا يُحَقِّقُهُ الروحُ القُدُس عَن طَريقِ إنتِشارِ الإنجيل، فَهوَ يُجَمِّعُ ويَبني الخَليقَةَ الجَديدَةَ عَن طَريقِ عَمَلِهِ الإلَهيّ الَّذي يَهَبُ الخَلاصَ لِمَن يَلتَصِقونَ بِالمَسيحِ.

الرَسولُ بولُس، كَانَ عَلَى قَناعَةٍ بِدَعوَةٍ إلَهِيَّةٍ لَهُ، أن يُعلِنَ إنجيلَ المَسيح الخَلاصيّ الَّذي يَهَبُ الحَياةَ الجَديدَةَ لِكافَةِ المؤمِنينَ، يَهوُدَاً كانوا أم أُمَمَّاً. بِالإضافَةِ لِدَعوَةِ المَسيح المُباشِرَةِ لَهُ لِلعَمَلِ الرَسوليّ، وُهِبَ الرَسوُلُ بولُس المَواهِبَ اللازِمَةَ ومُتِّعَ بِقُوَّةِ الروح القُدُس، وهَكَذا أُهِّلَ أيضَاً لِيَكونَ مُبَشِّراً ورَاعيَّاً ومُعَلِّماً لِكَلِمَةِ الرَبِ، في كامِلِ وضوحِها في العَهدِ الجَديدِ. بِالنِسبَةِ لِبُولُس، الخِدمَةُ الأمينَةُ الفاعِلَةُ لا يَقومُ بِها مَن يَتَمَتَّعونَ بِمُجَرَّدِ القُدرَةِ عَلَى الكَلامِ الَّذي يُمَتِّعُ الآذَان البشريةَ، ولَيسَ بمُجَرِّدَ نَشَاطٍ لِأشخاصٍ يَتَمَتَّعونَ بِالفَصاحَةِ أو الدِينامِيكيَّةِ الكارِيزماتيَّة. عَلَى عَكسِ ذَلِك، الخِدمَةُ الأمينَةُ المُثمِرَة هيَّ عَمَلُ مَن يَتَمَتَّعونَ بِدَعوَةٍ إلَهيَّةٍ وقوَّةٍ روحِيَّةٍ يُمارِسونَها وهُم يُنادونَ بِحاجَةِ البَشَرِ المَاسَّةِ لِنِعمَةِ الله الخَلاصِيَّة في المَسيحِ. كَانَ بُولُس عَلَى قَناعَةٍ بِأنَّ الخِدمَةَ الأمينَةَ تَحتاجُ لِوَعيٍّ وفِهمٍ مُكتَمَلينَ لِلكَلِمَةِ الإلَهِيَّةِ، ولِقُلوبٍ مُفعَمَةٍ بِمَحَبَّةِ المَسيح، والغيرَةِ الحَسِنَةِ، لِتَوصيلِ غِنَى نِعمَةِ الله الخَلاصيَّة لِكافَّةِ مِن يُحيطونَ بِهِ. ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ إقتِناعاً لا تَرَدُّدَ فِيهِ، ولا مُساوَمةَ عَليه، بِعَدَمِ قُدرَةِ البَشَريَّةِ عَلَى إنقاذِ نَفسِها مِن فَسَادِها وبؤسِها ويأسِها. هَذا ما أوجَبَ حدوثَ المُبادَرةِ الإلَهِيَّةِ الخَلاصيَّةِ في المَسيَّا المَوعود. قَناعَةُ الرَسول بُولُس بِهَذِهِ الحَقيقَة إرتَكَزَت عَلَى فَهمِهِ الصَحيح لِمُخَطَّطِ السَماءِ الخَلاصيّ، الَّذي سَجَلَهُ الروحُ القُدُس، عَلَى يَدِ الأنبِيَّاءِ والرُسُل الأطهار، في العَهدَين القَديمِ والجَديدِ. كَما أنَّ غِيرَتَهُ لتَوصيلِ الحَقّ لِلبَشَرِ الضالَّينَ والمُضَلَّلينَ وَجَّهَتها قَناعَتُهُ بِأنَّ يَسوع هوَّ مَركَزُ التَاريخ البَشَريّ بِأكمَلِهِ.

بِالنِسبَةِ لِبولُس، مَجدُ وجَلالُ المَسيح يَنعَكِسُ في كُلِّ مَضمونِ التاريخ، بِدايَةً مِن الخَليقَة، وحَتى إكتِمال البَشَريَّة الجَديدَة. خِدمَةُ الإنجيلِ تَختَلِفُ إختِلافاً جَذرِيَّاً عَن أيّ أنشِطَةٍ بَشَريَّةٍ أُخرَى. وبِغَضِّ النَظَرِ عَن المَظاهِرِ الخارِجِيَّةِ، فَاعِليَةُ الإنجيل لا يُحَدِدُها مَكَانٌ ولا زَمانٌ. مُنادَاةُ الكَنيسَةِ بِالإنجيلِ تُؤَثِرُ على كافةِ أوجُهِ الحياةِ البشريةِ، لأنها تُنتِجُ بَشَرِيَّةً جَديدَة على صورة قداسةِ المسيح الفادي، كَانَ وجودُها مَقصودَاً مُنذُ الأَزَل وقَبلَ بِدايَةِ التاريخ البَشَريّ، يَقولُ بُولُس: “حَسَبَ قَصْدِ الدُّهُورِ الَّذِي صَنَعَهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. الَّذِي بِهِ لَنَا جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ بِإِيمَانِهِ عَنْ ثِقَةٍ. لِذلِكَ أَطْلُبُ أَنْ لاَ تَكِلُّوا فِي شَدَائِدِي لأَجْلِكُمُ الَّتِي هِيَ مَجْدُكُمْ.” (أفَسُس ٣: ١٠-١٣).

إلتِزَامُ بُولُس، هوَ بِالإنجيلِ كَقُوَّةِ الله لِلخَلاصِ لِكُلِّ مَن يُؤمِن. ذَلِكَ الإلتِزامُ لَم يَضعُف أو يَتَرَاخَى، حَتى عِندَما فَقَدَ بُولُس حُريَّتَهُ لِلتَواصُلِ مَعَ الناس في بيوتِهِم وأماكِنِ تَجَمُّعَاتِهِم وفي الشَوارِعِ والأماكِنِ الأُخرَى. كَانَ بُولُس عَلَى ثِقَةٍ بِأنَّ الأمرَ لا يَعتَمِدُ عَلَى مُخَطَّطَاتِ أو جُهودِ البَشَرِ، بَل هوَ: “حَسَبَ قَصْدِ الدُّهُورِ الَّذِي صُنِعَ في المَسيحِ يَسوعَ”. ولِأنَّ ذَلِكَ هوَ القَصدِ الإلَهيَّ الأَبَديَ، لَم يَكُنْ هُناك بَدّاً مِن أن يَتِمَ ذَلِكَ في الوَقتِ المُحَدَّدِ مِن قِبَلِ السَماء، أي في مِلءِ الزَمانِ. هَذا مِن شأنِهِ أن يُشَجِّعَ الكَنيسَةَ ويَمنَحَها الجُرأةَ لِتوصيلِ الرِسالَةِ لِلجَميعِ.

يَقولُ بُولُس أنَّ قَصدَ الدهور يَتِمُ في المَسيحِ يَسوع رَبنا، ويُواصِلُ قائِلاً: “الَّذِي بِهِ لَنَا جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ بِإِيمَانِهِ عَنْ ثِقَةٍ.” مُناداةُ الكَنيسَةِ بِالإنجيلِ، إذَن، تُبنَى عَلَى الإيمانِ والثِقَةِ التي يَمنَحُها يَسوع بِنَفسِهِ. وثِمارُ خِدمَةِ الإنجيلِ الأمينَةِ تُفَرِّحُ قُلوبَ جَماعَةِ الإيمانِ وهيَّ تَرَى الإيمانَ الخَلاصيّ قَد نَبَتَ، والحَياةَ الجَديدَةَ في المَسيحِ تَتَرَعرَعُ بواسِطَةِ خِدمَةِ كِلمَةِ الرَب المُتواصِلَة. ومَعَ ذَلِك، فَإنَّ إنتِشارَ الإنجيلِ يَجلِبُ مَعَهُ الآلامَ والمَصاعِبَ. هَذا كانَ إختِبارُ بولُس الشخصي، فَوجودُهُ مَحبوساً في زِنزانَةِ السِجنِ كَانَ بِسَبَبِ ثِمارِ خِدمَتِهِ التَبشيريَّةِ والتَعليميَّةِ والرَعَويَّةِ. كَانَ بُولُس عَلَى قَناعَةٍ كامِلَةٍ بِأنَّ حَتَى وجودُهُ في السِجنِ هوَ بِسَماحِ العِنايَّةِ الإلَهِيَّةِ الحَكيمَةِ، وهوَ جُزءٌ مِن مُخَطَّطِ الرَبِ لِجَماعَةِ الإيمانِ، فَيَقولُ: “لِذلِكَ أَطْلُبُ أَنْ لاَ تَكِلُّوا فِي شَدَائِدِي لأَجْلِكُمُ الَّتِي هِيَ مَجْدُكُمْ.”

هَذا هوَ نَصيبُ جَمَاعَةِ الإيمان الحَقيقيَّةِ، فَهيَّ تَعيشُ ضِمنَ المُخَطَّطِ الإلَهيِّ “حَسَبَ قَصْدِ الدُّهُور”. ولَكِن هُناكَ للأسفِ مَيلٌ مُتَواصِلٌ لِلخُنوعِ لِضُغوطاتِ وتَحَديَّاتِ العَالَم والمُساوَمَةِ عَلَى قوَّةِ الإنجيلِ الخَلاصِيَّةِ، ذَلِكَ مِن شأنِهِ أَن يُفقِدَ جَمَاعَةَ الإيمانِ لمَسَرَّتِها في مُشَارَكَةِ آلامِ يَسوع، التي تأتي دائِماً مَعَ إختِبارِ نُصرَتِهِ عَلَى الخَطيَّةِ وروحِ العالَم الشِرير، الذي يُوَجِّهُهُ عَدوُ كُلِ خيرٍ، إبليس.

نَعَم، خِدمَةُ الإنجيلِ الأمينَةُ، في كَنيسَةِ المَسيح، تُمَتِّعُها أيضاً بِرَجاءِ القيَامَةِ، الذي أنجَزَهُ يَسوعُ بِنُصرَتِهِ عَلَى المَوتِ وتَرَبُّعِهِ عَلَى عَرشِهِ السَماوِيّ. لَهُ كُلُّ المَجد!