تَعليمُ يَسوعَ المَسِيَّا عَنِ الصِيامِ!
مَتَى ٦: ١٦-١٨
يَتَحَدَّثُ الكِتابُ المُقَدَّسُ، بِعَهدَيْهِ القَديمِ والجَديدِ عَنِ الصِيامِ، الَّذي يُعَبِّرُ عَنِ التَكريسِ لِعَلاقَةِ القُربِ بِالرَبِّ. لَكِنَّ البَشَرَ يَصومونَ لِأسبابٍ مُختَلِفَةٍ، فَحِرمانُ الجَسَدِ مِنَ الطَعامِ لَيسَ بِالضَرورَةِ نَشاطًا دِينِيًّا. البَعضُ يَصومونَ لِأسبابٍ صِحِيَّةٍ، وفُقَراءُ كَثيرونَ يَجِدونَ صُعوبَةً في الحُصولِ عَلَى الطَعامِ.
جاءَ يَسوعُ المَسِيَّا كَالمَلِكِ المَوْعُودِ، ونَظَرَ حَولَهُ فَاستَنتَجَ أنَّ صِيامَ كَثيرينَ مِنَ المُتَدَيِّنِينَ لَم يَكُنْ مُوَجَّهًا لِعَلاقَةٍ صَحيحَةٍ بِالرَبِّ، بَل لِلحُصولِ عَلَى إِعجَابِ ومَديحِ البَشَرِ. تَحَدَّثَ يَسوعُ لِتَلاميذِهِ المُختارينَ في المَوعِظَةِ عَلَى الجَبَلِ، كَمواطِنِي مَملَكَتِهِ السَمَاوِيَّةِ الطاهِرَةِ عَلَى الأرضِ. نَقرَأُ في الفَصلِ السادِسِ مِن بِشارَةِ مَتَّى الإنجيلِيَّةِ، كَيفَ أنَّهُ ذَكَّرَهُم بِأنَّ الصِيامَ في مَلَكوتِهِ يَختَلِفُ تَمامًا عَن صيامِ رِجالِ الدينِ المُنافِقين. قالَ لَهُم: “۱٦ «وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. ۱۷ وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، ۱۸ لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً”. (مَتَى ٦: ١٦-١٨)
يَسوعُ نَفسُهُ، صامَ بِصَمْتٍ لِمُدَّةِ أرْبَعينَ يَومًا تَحضيرًا لِخِدمَتِهِ العَلَنِيَّةِ عَلَى الأرضِ، والتي دامَتْ ثَلاثَ سَنَواتٍ. يُفيدُنَا الإنْجيلُ أنَّ يَسوعَ جاءَ لِتَحقيقِ مُهِمَّةٍ خَلاصِيَّةٍ عَلَى الأرضِ، وفي صِيامِهِ هَذَا تَقَوَّى وتَشَدَّدَ بِالكَلِمَةِ المُقَدَّسَةِ، مِمَّا مَكَّنَهُ مِنَ الصمودِ ضِدَّ تَجارِبِ إبليسَ، الَّذي سَعَى لِإضعافِهِ وإلهائِهِ عَنْ تَحقيقِ مُهِمَّتِهِ.
حَياةُ يَسوعَ بِمُجْمَلِهَا، عَبَّرَتْ عَنِ المَحَبَّةِ الإلَهِيَّةِ الواهِبَةِ لِلنَفسِ، إذْ تَقَدَّمَ طَوْعًا لِمَوتٍ مُهِينٍ بِالنِيابَةِ عَن خُطاةٍ ضُعَفاءَ وبُؤَساء.
وِجهَةُ نَظَرِ يَسوعَ عَنِ الصِيامِ، سَمَّاوِيَّةٌ في طَبيعَتِهَا. فبِالنِسبَةِ لَهُ القَضِيَّةُ لَيسَتْ عَن حِرمانِ الجَسَدِ مِنَ الطَعامِ والشَرابِ، بَل هيَِ عَنْ تَكريسِ القَلبِ والفِكرِ لِعَلاقَةٍ أوثَقَ بِالإلَهِ المُحِبِّ القُدُّوسِ. مواطِنو مَلَكوتِ يَسوعَ السَماوِيِّ، إذْ يَصومونَ فإِنَّهُمْ يَسْعَوْنَ بِانكِسارٍ لِلتَسَلُّحِ بِالكَلِمَةِ الإلَهِيَّةِ الطاهِرَةِ والمُطَهِّرَةِ، وإذ يَعمَلونَ ذَلِكَ بِصَمتٍ يُكَرِّسونَ أفكارَهُم ومَشاعِرَهُم لِفَحْصِ أنفُسِهِم، فَيُدرِكونَ حَاجَتَهُم المُتَواصِلَةَ لِلِاعتِمادِ عَلَى الرَبِّ الصَالِحِ الرَحيمِ في كُلِّ شَيءِ.
صِيامُ جَماعَةِ الإيمانِ يَهَبُهُم الفُرَصَ المُبارَكَةَ لِاتِّباعِ يَسوعَ المُخَلِّصِ في حَياةٍ واهِبَةٍ لِلذاتِ.
لِيَسوعَ المَسِيَّا المَلِكِ المُخَلِّصِ كُلُّ المَجدِ!
بقلم القس ڤيكتورعطالله

